مساهمة في نقاش المسألة العقارية

خميس, 02/22/2018 - 14:57
مساهمة في نقاش المسألة العقارية

دُونَ تَعَمُّقٍ..
شكلت المسألة العقارية عبر العصور إشكالا متفاقما لتعلُّقها بالأرض باعتبارها أهم العناصر بعد العنصر البشري في مجال الإنتاج، ما يعطي العقار مكانة خاصة تُذْكيها غريزةُ التَّملك\ POSSESSION لدى الإنسان، جعل البشرية تتبنى عقيدة مبدئية كونية تسمح بالنفاذ إليه بطريقة منصفة وعادلة، من خلال التَّنصيص عليه في جميع المواثيق الدولية الحقوقية، و دَسْتَرَته في الدساتير الوطنية ومنها دستورنا المعدَّل والمثبَّت في المواد:15؛ 19؛57.

وقد كرَّس المشرع الوطني الحقّ في النفاذ إليه حين أكَّد بدْءًا من القانون العقاري رقم:139/1960 ، إلى الأمر القانوني السَّاري رقم:127\1983 المتضمن تنظيم الملكية العقارية الذي نصَّ في مادته الأولى على أن “الأرض ملك للأمة، ويحق لكل موريتاني، بدون أي تمييز، أن يصبح مالكا لجزء منها طبقا للقانون”.
بيْد أن معالجة “الكيانات” الوطنية لمسألة النفاذ للملكية العقارية ظلَّت متباينة تأثُّرا بالأنماط: الثقافية، والفقهية، والاجتماعية، والسياسية السائدة ما أدَّى إلى تمايز المعالجات التي تبنتها الدولة لحَلْحَلَة مسألة النفاذ العقاري بالنسبة لجميع مكونات المجتمع وخصوصا الهشَّة ما يستدعي منَّا قراءة متمعنة لتلك المعالجات من أجل معرفة مكامن النقض و محاولة سدِّها دون تعريض، احتفالا واحتفاء بمولودنا التشريعي الرائق مدونة الحقوق العينية الوطنية.
أولا:المعالجة الفقهية للنفاذ العقاري؛
لم يستَفض الفقهاء بشكل عميق في بحث مسألة الأرض بل لم يتكلموا عنها إلا في مصنفات السياسة الشرعية، بسبب:” فهمهم العميق لخصوصية هذه المباحث ، وخطرها، وارتباط مستلزماتها من: إقطاع، وإحياء، وتصرُّف، بالسلطة السياسية الدستورية ” ، وفي ضوء ذلك أفاض فقهاء المالكية في نقاش مسألة أرض العُنْوة :عامرة أو مواتا و في طبيعة فتحها، وفي اثر ذلك ، و اختلفوا في كيفية فتح المغرب الأقصى هل فُتحت أرضه عنوة أو صلحا ورتبوا على ذلك مخرجاتهم الفقهية تلك المخرجات التي ألقت بظلالها على ذهنية فقهاء هذا القُطر، يلخِّصه لنا العلامة المجدد الشيخ سيدي باب بقوله:”.. وبهذه الأخبار نحوها ينفتح باب النظر هل فتحت هذه البلاد عنوة، أو صلحا، أو اسلم عليها أهلها ، فيعلم الحكم الشرعي فيها” ، وقد بقي باب النظر هذا مفتوحا على اتجاهين: يعترف أولهما بالتملك على أساس الحيازة و الإعْمار القائم استصحابا للبراءة ، و أخذًا بخَفاء كيفة فتح هذه الأرض ، و داعي السَّيْبَة و به أخذ غالبية فقهاء البلد كـ: القاضي [الأمين بن الماحي قـ: 12 هـ] ، و ثانيهما ينفي التملك مطلقا على أساس أن هذه الأرض فتحت عنوة، وقهرا، و يمثله العلامة محمَّذن فال ولد متَّالي ، وتلميذه المختار ولد ألمَّا اليدالي.
لقد تأسست من هذا التداعي الفقهي وضعية معقدة تولد عنها نظام عقاري متداخل ظل معه النفاذ الفردي إلى الملكية العقارية غير واضح بسبب عدم الحسم فيما يتعلق بالكيفية التي يمكن معها الحصول على العقار، والسلطة المخولة منحه: هل هي الارستقراطية “الحربية” الحاملة للسلاح و الحاميَّة للأرض، أم أن الأمر منوط بالارستقراطية “الزَّاوية” التي تباشر الإحياء و التعمير، والرعي…، سؤال بقي مجلجلا إلى أن آل الأمر إلى القبيلة ككيان تقليدي سياسي محكم التنظيم تشكَّل بواسطة القُربي و النَّسب، والولاء ، والتعصب، وتمدد واتَّسع أفقيا وعموديا بسبب:الولاء والتَّلْمَذة، والفِداء، والغَلَبة، والمكاتبة، و التَّفَاسُخ، والتَّدافع .
وفي هذا الكيان التقليدي تنعدم العدالة في النفاذ إلى الملكية العقارية بالمفهوم المتداول لقيامه على هرمية ضاغطة على أساس طبقي و فئوي، لا يستفيد فيه من هذا الحق إلا من في قمة الهرم، أما الباقون فلا يحق لهم التملك لعدة عوامل يضيق عنها الحديث هنا وان كانوا داخلين في عداد القبيل ، ويكفي للتدليل على ذلك عبارة “وقد منحنا لفلان كذا وكذا ذراعا، وليس له منها إلا العود والحطب” المتداولة في وثائق المنح الدالة على عدم تنازل المجموعة أو القبيلة عن أرضها للغريب نسبا ولو دخل بأحد العوامل الآنفة.
لقد كان حضور الفقه مقصورا على بحث مسائل المجال العقاري للقبيلة وما ارتبط به كالحريم، والتعمير، وحفر الآبار،وخراج الأرض الزراعية، وغيره من مواضيع ناقشها الفقهاء.
و لا حقا بعد الاستقلال، وبسط الدولة سيادتها على الحوْزة الترابية، و النزوح إلى المدن وتزايد ساكنتها وضغطها على حواشي تلك المدن الناشئة انتشرت ظاهرة القـَسْر أو الكَزْرَة، أدَّت إلى التهام العشوائيات للمجال العمومي منذ سنة 1985 قَسْرا و عنوة مخلفة أزمة مستفحلة بكل أبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كان للفقه حضور آخر حين ناقش فقهاء الوقت الظاهرة، واختلفوا في جواز تفويت أرضها بين قائل بعدم جواز بيعها مطلقا وعدم حلية المشاركة في احتلالها ويمثل هذا الموقف العلامة أباه محمد فال ولد عبد الله، وبين قائل بجواز ذلك اذا كانت ثمة ضرورة تستدعيه ويمثل هذا التيار العلامة محنض بابه ولد أمين، والعلامة محمد سالم ولد عدود، معتبرين أن الأرض ملك للدولة، و أن من احتال على بعض أرضها بـالكَزْرَةٍ فليس له الحق في ملكه أحرى بيعه، جاعلين بيع الكَزْرَةٍ وشراءها من مشمولات العقود الغير المسماة فيمكن للشخص شراء كزرة من آخر على شرط أن يكون البيع من طرف البائع هو أمله في أن تعطي الدولة للشعب الحق في التملك فهو إذن مجرد تنازل البائع عن أمل كان يتحرى تحققه .
فكانت هذه الفتوى الأخيرة معالجة أو حلا وقتيا تبين فيما بعد أنه جذر المشكل حين أعطى شرعية لنهم المحتلِّين بجواز بيع أمل تبين أنه متطاول بل كاذب.
ثانيا: المعالجة الاستعمارية للملكية العقارية.
لقد تولَّد عن الوضعية الآنفة نمطا من الملكية الجماعية Propriété Collective de la terre تنفذه القبيلة لحماية مجالها الحيوي وبسط نفوذها السياسي، فحاول المستعمر عند دخوله إلى موريتانيا تقليصه باعتماد إستراتيجية استعمارية لا تخرق بصورة فجَّة الاتفاق الاستعماري المبرم بينه والمتعاقدين معه، فتحترم الملكية الجماعية للأراضي بل وتـُشَرْعِنُها للزعامات القبلية بــ:(الطَّبْعَة)، لكنها في الوقت نفسه تستحوذ على العقارات التي لا مالك لها عن طريق خلق إطار قانوني بموجبه يتمَّ تحفيظ تلك الأراضي ملكا للدولة الفرنسية منزوعا لصالح ما يراه المستعمر منفعة عامة، و في سبيل ذلك بادر المستعمر الفرنسي إلى وضع نظام عقاري يحمي تلك المصالح من خلال مرسوم الـ: 24 يوليو 1906 المنظم للملكية العقارية في مستعمرات فرنسا بإفريقيا الغربية، الذي عدَّله وادخل عليه تحسينات بموجب مرسوم الـ:26 يوليو 1932 القاضي بإعادة تنظيم نظام الملكية العقارية في أفريقيا الغربية الفرنسية، وهو العمل التشريعي الذي لا زال نافذا في مجال التحفيظ العقاري إلى حين نفاذ مدونتنا الخاصة بالحقوق العينية بحلول تاريخ:13 يونيو 2018 طبقا للمادة:416 منها.
لقد تبنَّى المستعمر في المرسوم العقاري الآنف نظام الشهر العيني للعقار المعروف بنظام تُورَانْس-TORRENS نسبة إلى مبدعة “روبر تورانس [ق:18]، وأدخل جملة من التحسينات على التنظيم العقاري بموجب مرسوم الـ:20 مايو 1955 ، والـ 10 يوليو 1956 المتعلقين بالتنظيم العقاري في إفريقيا الغربية الفرنسية سمحت له بإدخال نمط من التسجيل العقاري يقوم به حكام الدوائر للملكيات التقليدية لصالح الزعماء والوجهاء التقليديين أُطلق عليه محليا (الطَّبْعة) وهي وثيقة تكرس الملك التقليدي للأرض لكنها لا تصل درجة السند العقاري في الحجية القانونية،و لا تخول الزعيم حق الاستئثار أو الاستبداد بالأرض بل تعتبر ملكا مشاعا بين أفراد القبيلة. و لتعزيز نفوذ المستعمر عمد إلى نزْع الملكية العقارية بحجة المنفعة العامة بموجب المرسوم الـ: 1930 المتعلق بنزع الملكية للمنفعة العامة، وهو محاولة استعمارية ذكيَّة لمشاركة المِلك القبلي بتقليص مساحته تحت ذريعة المصلحة المشتركة العامة.
ومن خلال هذه المعالجة يتبين أن المشرع الاستعماري حاول مزاحمة الملك القبلي، إلا انه لم يعزز النفاذ الفردي خصوصا لمهمشي المجتمع القبلي بل كرَّس الملك الجماعي، واستولى على الباقي.
ثالثا: المعالجة التشريعية الوطنية للنفاذ العقاري.
لقد ورثت الدولة الوطنية نظاما عقاريا متَقاسما بين كيانين متوازيين، فلم يكن أمامها سوى ضبط وتقنين الملكية التقليدية خصوصا في المجال الريفي، ومحاولة بسط نفوذها على المجال الحضري، مع تنازلات مجحفة للمُلاَّك التقليديين، فمنذ الوهلة الأولى، وعند التنازع حول عاصمتها انواكشواط الذي تم التداعي فيه أمام المحكمة العليا بداكار ضد مجموعة قبلية ادعت ملكية الأرض بالإحياء مدعومة من قبل القوى التقليدية أرغمت الدولة إلى إبرام اتفاق تقاسم مصالح مع تلك المجموعة ، ما أدى بالمشرع إلى تبني المهادنة في القانون رقم:139-1960 بتاريخ:02 أغشت 1960 معلنا ملكية الدولة للأراضي الميتة الخالية من أي إحياء خصوصي بشرط أن تكون تلك الملكية متأسسة على حيازة واضحة [المادة الأولى] ،و مؤكدا في الوقت نفسه على أحقية كل مواطن في الحصول على إقطاع من الدومين العام وفق الشروط والإجراءات مجسَّدٍ في سند مؤقت .
و لتسهيل نفاذ الخصوصيين إلى الملكية العقارية وضع المشرع آنذاك آلية إدارية فعالة لضبط التمليك الخصوصي [ المادة:5]، أراد من خلالها تحديد (الملك الخصوصي القائم على الحيازة المادية) لتبسُط الدولة نفوذها على غيره باعتباره ملكا للدولة، بيد أن ضعف الدولة عن مجابهة الكيانات التقليدية حال دون تحديد مجال الإحياء ما أدى إلى عرقلة تطبيق هذا القانون و الإجهاز على المرسوم المطبق له ذي الرقم:151\60 بتاريخ:11\08\1960 ، وكان ذلك كافيا لضعف الأداء الاقتصادي، الذي حتم اللجوء إلى إصلاح عقاري حاسم وصارم كرس بصدور الأمر القانوني رقم:127-1983 الذي وضع إطارا قانونيا للملكية العقارية وصف بالثوري، حيث أعلن جميع الأراضي ملكا للدولة؛ لتمكينها من بسط النفوذ على كافة الأراضي الخالية و المعطلة و ألغى الحيازة التقليدية للأرض؛ من أجل استصلاحها وتمكين المحرومين منها، وأعاد التسجيلات العقارية باسم الشيوخ والوجهاء لصالح المجموعة التقليدية التي ينتمون إليها، وأعاد الحقوق الجماعية المكتسبة شرعا لفائدة المساهمين في الاستصلاح الأصلي للأرض،و كذلك للمساهمين في استمرارية قابليتها للاستغلال، فكان وراء إشراك المجموعات المهشمة الأدنى في قاعدة الهرم الجماعي، دون تجاهل المجموعات النافذة [المواد: 2 الى9].
ويتضح من خلال هذه المبادئ التوجيهية أن الدولة تتجه بشكل واضح إلى بسط نفوذها على العقارات تمهيدا إلى تسهيل نفاذ المواطنين للملكية العقارية.
وفي سبيل ذلك سعى المشرع إلى إدخال إصلاحات جوهرية على هذا العمل التشريعي من خلال تحسين المراسيم المطبقة له بدءا من: المرسوم رقم:009/84 بتاريخ:19 يناير 1984؛ الملغي بالمرسوم رقم:020/90 بتاريخ:31 يناير 1990؛ الملغي بالمرسوم رقم:089/2000 بتاريخ:17 يوليو 2000 ، الملغي بالمرسوم رقم:080/2010 بتاريخ:31 مارس 2010 من خلال تحديد اللجان المكلفة بالتسيير والمنح العقاري وتحديد المساطر والإجراءات الإدارية اللازمة للحصول على الاقتطاع، و تحديد طرق التحكيم الإداري لفض النزاعات الجماعية، وتحديد سلطة المنح، و إجراءات التسوية العقارية،و تسوية الاحتلال اللامشروع للأراضي العمومية، و وضع آليات فعالة للقضاء على المشكل العقاري وتوفير المسكن اللائق المواطنين.
ولتسهيل النفاذ العقاري بواسطة الولوج الآمن إلى السكن اللائق عمد المشرع لاحقا إلى إنشاء وتنظيم مهنة المنعشين أو الباعثين العقاريين من خلال القانون رقم:031.1999 بتاريخ 20 يوليو 1999 المعدَّل بالقانون رقم: القانون رقم:008/2005 بتاريخ:23 يناير 2005 المتعلق بممارسة مهنة الباعث العقاري الذي تم تفصيله من خلال المرسوم المطبَّق له رقم:079\2006 بتاريخ:19\07\2006 المتضمن النظام العام لمهنة الباعث العقاري والذي أناط به المشرع ابتداء مهمتين أولاهما:
لقد أناط المشرع بالباعث العقاري مهمتين، الأولى: استصلاح القطع الأرضية المخططة من طرف وزير التجهيز والنقل والمخصصة أساسا للسكن الاجتماعي، والثانية: تشييد أو تجديد عمارات فردية أو اجتماعية من اجل البيع أو الشراء [المادة الأولى من القانون المعدَّل]، ثم عمد عند التعديل إلى الاقتصار على المهمة الثانية؛ لتكون الدولة شريكا فاعلا متدخلا في عملية الإعْمار والتهيئة.
وعلى الرغم من وجود هذه اللجان والآليات التي تسرِّع عملية النفاذ للملكية إلا أن ضعف لا انعدام الإرادة لدى الإدارة جهة المنح حال دون تحقيق مرامِي هذه النصوص التشريعية، وأفرغها من أي معنى.
رابعا: المعالجة الإدارية للنفاذ للملكية العقارية
و لا شكَّ أن الإدارة كجهاز تنفيذي للسياسات الحكومية،تلعب دورا بارزا في تطبيق الأعمال التشريعية الآنفة ، وبما أن المشرع أكد على أن الأرض ملك للدولة، و من حق كل موريتاني دونما تمييز حق تملك جزء منها بواسطة تنازل مؤقت أو نهائي سواء كان المجال ريفيا أو حضريا، وبيَّن الإجراءات التي تُتَّبع من اجل الحصول على الإقطاع، واللجان المكلفة بالبت في طلبه، فإن الإدارة مطالبة ببلوغ هذه الأهداف، بتتبع تلك المساطر، وهو ما لم تفلح فيه لسببين: احدهما أنها لم تقم بتهيئة المجال الحضري واستصلاح الأراضي العقارية الريفية عند المنح ، بل لم تتقيد بالإجراءات المنصوص عليها بشكل سليم.
فمن المعروف أن أي منح عقاري جادٍّ لا بد أن تسبقه المصادقة على تقطيع منطقة المنح تحت إشراف الجهة المعنية (وزارة المالية، و وزارة الإسكان، والسلطات الجهوية)، وتتم المصادقة عليه بمرسوم يتضمن إعلان مجاله ذا نفع عام ، ويطبق ميدانيا بتبيين كل قطعة ارضية بعلامات مطابقة للنموذج القانوني، وهو ما لم تتقيد به الإدارة رغم وجود مقتضيات قانونية ملزمة بوضع المخططات العمرانية قبل أية عملية منح عقاري طبقا للمواد:121؛122 من المرسوم المطبق للقانون العقاري .
إن عملية المنح العقاري التي باشرت الإدارة إجمالا منذ أوائل التسعينات على الأقل لم تكن على أساس مخططات دقيقة صادرة وفق المعايير الفنية المطلوبة ففي أحسن الأحوال يتم وفق مخططات فاقدة المصداقية ملحقة أو مكملة لصدورها من غير جهة الاختصاص ما أدى إلى إفراغ عملية المنح من مضمونها.
ومن اجل وضع حد لفوضى المخططات وتداخلها وعدم فنيتها بادر المشرع إلى تحيين وتحسين مدونة العمران من خلال إصدار القانون رقم:007-2008 بتاريخ:17 مارس 2008 المتضمن مدونة العمران ، التي وضعت تصنيفا ثلاثيا للمخططات هو:المخطط التوجيهي، والمخطط العمراني المحلي، ومخطط الاستصلاح المفصل[المواد:3؛20؛ 32؛ 40]، شفعت بمراسيم تفصيلية تقضي بالمصادقة على مخططات تقطيع غالبية المجال الحضري خصوصا العاصمة .
وأما السبب الثاني فيكمن في فوضوية المنح الناتجة عن تكرار الاستفادة من المنح مما أدى إلى المضاربة والهيمنة على المجال الحضري من قبل أشخاص ملكوا آلاف الهكتارات وبطرق متعددة رغم تأكيد المشرع الموريتاني على شخصية المنح حضريا كان أو ريفيا: وعدم إمكانية التنازل عنه أو بيعه تحت طائلة انتزاعه الفوري في كافة المراسيم العقارية المطبقة للأمر القانوني 127.1983 و على الخصوص المرسوم رقم: 009/1984 وبصراحة المرسوم رقم:089/ 2000 و الذي تنص المادة: 148 منه على:” انه في المناطق السكنية والتجارية أو المخصصة للصناعة التقليدية تكون الاقطاعات المؤقتة شخصية ولا يجوز بيعها أو تحويلها بأي حجة كانت، تحت طائلة الانتزاع الفوري وعودة الأرض وما عليها من مبان محتملة إلى أملاك الدولة.
إن غض الإدارة طرفها عن تكرار المنح، وازدواجيته أدى إلى استشراء الغبن والحيف، و بسبب احتكار الملكية بشكل فجِّ تولَّدت فوضى عارمة في المجال العقاري، مما جعل المشرع يخضع لاكراهات واقع الحال ويذعن لإمكانية تفويت العقارات بشرط أن يكون بموجب توثيق بعد أن منعه منعا باتا فصاغ المادة الآنفة من جديد لتصبح كالتالي في مرسوم08/2010: “في المناطق السكنية أو التجارية أو المخصصة للصناعة التقليدية تكون الاقطاعات المؤقتة شخصية ويجوز بيعها أو هبتها أو تحويلها شريطة أن تكون موجب توثيق”[المادة:132].
ومثلما فرَّطت الإدارة في شخصية المنح تخلت عن مراقبة تنفيذ الاستغلال والاستثمار في المجال الحضري خلال المدة المحددة بدفتر الشروط تحت طائلة الانتزاع ” التلقائي أو الفوري” الذي وكِلَتْ مهمة التَّثبت منه إلى لجنة إدارية تقترح إما: تمديد اجل الاستغلال\ أو الإقطاع النهائي/ أو انتزاع الإقطاع من المستفيد، ما تسبب كذلك في تنامي السكن العشوائي مع وجود آلاف القطع الأرضية الخالية من أي استثمار في المجال الحضري الذي اخذ في التمدد ملتهما المجال الريفي المحيط بالمدينة\ العاصمة، و لتتفاقم الأزمة أكثر بسبب تعدد القرارات التي يصدرها الولاة بالمنح المؤقت والنهائي في ظل تراخيهم عن ممارسة حقوقهم الإدارية المتعلقة برصد الاستثمارات و الشغور،و انتزاع الاقتطاعات الريفية عند الإخلال بدفتر الشروط وهو الأغلب الأعمُّ.
أما في المجال الريفي فقد أدّى عدم تفعيل آلية تفريد الملك الجماعي بواسطة تقسيمه إلى ملكيات فردية بطريقة ودِّية أو بقرار من السلطة الإدارية المختصة طبقا للمادة:40 من المرسوم المطبق، أو بواسطة تحويل الجماعة التقليدية إلى رابطات تتمتع بالشخصية القانونية من اجل الإبقاء على الحقوق العقارية المملوكة على الشيوع، وفي هذا الإطار يجب أن تنتظم المجموعة التقليدية في شكل شخصيات معنوية تتشكل طبقا للقانون ويتم استصدار سند ملكية باسم الشخصية المعنوية الجديدة وقيدها في السجل العقاري للمقاطعة، ويختم على مقْلوبه بعبارة ” لجميع المستفيدين” طبقا للمادة: 49 من المرسوم.
إن فشل عملية تفريد الملكية الجماعية لا يعود بالأساس إلى العراقيل القانونية و الإدارية فحسب، وإنما إلى عدم إمكانية تحديد مجال التفريد ، وصعوبة معرفة المستحقين [أفراد المجموعة التقليدية]، وعدم إمكانية توزيع القطع بنفس المواصفات،فقد كان من الأجدى اعتماد الطريقة الثانية المتمثلة في: تفريد الملكية الجماعية بواسطة تحويل الجماعة التقليدية إلى رابطات ذات شخصية معنوية.
وعلى الرغم من أن عملية إعادة التأهيل العمراني التي نفذت الدولة بعد إصلاح 1983 مكنت من توزيع قطع للسكن الاجتماعي في المجال المتنامي على اكبر قدر من المواطنين، إلا أنها لم تمكِّن من النفاذ إلى الملكية العقارية لعدم وصوله إلى مرحلة المنح النهائي التي تعتبر المؤشِّر القانوني الأول على التملُّك، بسبب عدم الجدية في إكسابها للحاصلين على القطع حيث لم يتمكن أصحابها في الغالب من الحصول على الوثائق الضرورية، بل بقي اغلبهم خصوصا في هوامش العاصمة لا يتوفر على الوثائق المؤسِّسة، مع عزوف الإدارة عن إصدار الرخص أو تحويلها إلى وقت غير بعيد، أو وضعها لدفتر شروط مجحف كاشتراطها آنذاك عدم تشييد أي نوع من البناء ما عدا المساكن المؤقتة كالخيام وبيوت الخشب على القطعة مدة خمس سنوات، وهو شرط ورد في اغلب رخص الثمانينات في غاية الاستغراب، وبلا مغزى.
و منذ سنة 2000 سعت الإدارة إلى توسيع وتنظيم المجال الحضري ، بناء على برنامج مدعوم آنذاك من قبل البنك الدولي، ولا حقا من طرف الخزينة ففور صدور المرسوم 089\2000 المطبق للقانون العقاري، قامت الدولة بإنشاء وكالة التنمية الحضرية ADU بموجب القانون رقم:002\2001 بتاريخ:19\04\2001 الذي يظهر من طريقة اصدارة حالة الاستعجال التي تمليها الضرورة الوقتية آنذاك فقد صدر هذا المرسوم وفق مسطرة المادة: 60 من الدستور ، التي تمنح الرئيس سلطة وقتية لإصدار قوانين تأهيلية ، و استلمت هذه الوكالة عملية التأهيل و هيكلة الأحياء العشوائية بالكامل حتى لا نقول المنح في نواكشوط ولا حقا في بعض المدن الأخرى، ولنجاحها كان لا بد من تجاوز المأخذين السابقين في عمليات المنح السابقة بـ:الحد من تعدد الاستفادة من التأهيل بحيث لا يستفيد الشخص إلا من قطعة واحدة في حدود 150متر مربع، ثم الحد من التصرف في القطع الأرضية بيعا ومبادلة وشراء مع محاولة تثبيت المستفيدين من الحق الذي تخوله لهم وثائق التأهيل كـ: استمارة التأهيل التي يعين فيها وكيل الأسرة المستفيدة، أو البادج أو Ticket De Convocation، أو إفادة الاستغلال، أو وصل الإحصاء .
و كمساهمة في تحقيق السياسة الوطنية في مجال التنمية العمرانية وخاصة إعادة الهيكلة والتجديد العمراني والنهوض بالسكن الاجتماعي، وكإسناد لمهمة الوكالة الآنفة فقد أنشأت الدولة الوكالة الوطنية لاستصلاح القطع الأرضية بموجب المرسوم رقم:078/2006 بتاريخ:18/07/2006، وهي جهاز مستقل ماليا و متخصص في استصلاح القطع الأرضية وإحيائها وتسويقها لأغراض السكن والعمران سواء لحساب الدولة أو لحساب الباعثين العقاريين من اختصاصاته التعرف على القطع الأرضية والاحتياطات العقارية، واقتناءها وتهيئتها في الوسط الحضري وبيعها وتسويقها.
ورغم مرور 17 سنة على هذه العملية المتباطئة بسبب صعوبة القضاء على السكن العشوائي الذي شكل عقدة مزمنة، ومزاحمة القضاء لها أحيانا بغل يد اللجان الفرعية المتخصصة في فض النزاعات الناتجة عن عملية التأهيل خصوصا عندما يدلي المدعي “المتضرر” بسند حيازة مؤقتا او نهائيا متجاهلا القضاء انه تم إعدامه بالمراسيم التي تعيد تخطيط المجال وتعلنه ذا نفع عام، فقد استطاعت الإدارة الحالية تجاوز العقدة بتوزيع أكثر من 160.000 قطعة أرضية مستصلحة مكنت من الولوج إلى سكن اجتماعي وبشكل مجاني في انتظار المنح الذي أبدت بوادر حسنى في إتمامه حين أصدرت سندات عقارية أمهات ( سند العقاري أمTITRE MÈRE\) خاصة بالدولة بالنسبة لغالبية المجال المؤهل ومنه مقاطعات انواكشواط التسع تجعل لكل مقاطعة سندا خاصا بها يمكِّن الدولة من التنازل عنه للخواص بمجرد انتهاء عملية التأهيل الجارية ، وهي خطوة جبارة في الاتجاه الصحيح، ستمكن السَّاكنة من الاستفادة الاجتماعية والاقتصادية من الملكية العقارية.
خامسا: المعالجة القضائية للنفاذ للملكية العقارية.
لقد أدى استفراد الإدارة بعملية المنح منذ البداية إلى تفاقم الأخطاء مما حتم اللجوء إلى القضاء من اجل النفاذ إلى الملكية بعد التشويه أو المشاغبة أو صون ما تبقى منها أو لتسريع الولوج الآمن إليها.
فالدعوى إذا من أهم الوسائل القانونية لحماية هذا الحق، وهي بالأساس سلطة الالتجاء إلى القضاء للحصول على تقرير حق أو لحمايته بالحيازة أو الاستحقاق، وتبعا لهذا التقسيم الثنائي تتمايز الجهة التي اسند إليها المشرع فض النزاع ،والتي تكون في الدعاوى المتعلقة بأصل الملك في التحفيظ العقاري من اختصاص الغرف المدنية الابتدائية طبقا للمادة:26 إ م ت إ، من حيث الإجراءات، والوثائق التي تأسس عليها السند العقاري و النظام الذي صدر وفقه خصوصا، مع التنبيه على تخلي الإدارة عن نظام الإشهار العيني وتبنيها واقعا للنظام الإشهار الشخصي الذي لا يحصن الملكية ويجيز الطعن فيه اعتمادا على المادة 10 من المرسوم العقاري 080\2010 وحسب الاجتهاد القضائي المطَّرد، إن تأسيس هذا السند على وثائق مزورة أو لا وجود لها قانونا يحتِّم بحث الحيازة القانونية ( قيام الموجب القانوني وهو السند)، ويكون ضروريا عند غياب الحيازة المادية المتمثلة في شغل العقار بشكل مستمر، وخلوه من أي استثمار، الأمر الذي تساهلت فيه الإدارة إلى أقصى الحدود حيث أصدرت كثيرا من السندات العقارية غير الدالة على الملكية، والتي تطرح حاليا إشكالا لا بدَّ من حله للمؤسسات المالية التي أخذتها كضمانات عند الإقراض، والتي تم إبطالها من قبل القضاء لقيامها على أساليب الغش والتدليس الآنفة.
ولئن حسم القانون مسألة الاختصاص في البت في الدعوى المتعلقة بالعقارات المحفظة، فان الاختصاص في نظر دعاوى الحيازة في العقارات غير المحفظة آل باجتهاد الغرف المجمعة بالمحكمة العليا إلى القضاء المدني لا الإداري ، تأسيسا على أن وثيقة أو رخصة \ PERMISالحيازة لا تكتسي صبغة القرار الإداري، ، وهو قرار يحتاج للمراجعة صدر دون تحليل الوثائق التي تسلمها الإدارة انذاك والآن و التي تعنونها بعناوين شتى:رخصة حيازة أو شغل PERMIS D’OCCUPER، أو عقد حيازة CONTRAT D’OCCUPATION، أو تعهد يقوم مقام عقد حيازة ENGAGEMENT TENANT DE CONTRAT D’OCCUPATION، وهذا الأخير يبين بما لا يدع مجالا للريب أن الوثيقة عقد إداري بين الدولة والخواص وهو ما كان سائد منذ مطلع الثمانينات، هذا فضلا عن القرارات الإدارية بالمنح النهائي والمؤقت التي يصدرها الإدارة والمعتبرة من سندات الحيازة.
وعليه يكون القضاء أقحم القضاء في مأزق لم يُسْهم في وجوده باعتبار أن النزاع المشار إليه هنا نزاع بين طرفين خصوصيين حين غض الطرف عن الإدارة باعتبارها الجهة المعدة للوثيقتين المتناقضتين أو المعدومتين والمهيأة لمجالهما، وهكذا عمل القاضي المدني على فض نزاع بين طرفين متضررين هما في الواقع ضحيتين لتصرف طرف ثالث غُيِّب عن عملية التقاضي وبالتالي فان طرحها ظلَّ موهما للغاية أمام القضاء المدني رغم كل تبرير.
ورغم الفداحة فان القضاء تعامل مع هذه الوضعية تعامل المضطر الذي لا حول له لفصل النزاعات المرتبطة بازدواجية المنح التي تولدت عن الفوضوية التي تطرقنا إليها والمتعلقة بـ” جُنُون” المنح، وعدم تطابقه للمخططات العمرانية، وعدم توحيد جهة إصداره، وعدم مركزة وثائقه العقارية حيث قسمت بين الإدارة الإقليمية، والإدارة العامة للعقارات وأملاك الدولة، ووزارة الإسكان، والتجهيز مما أدى إلى تنوع السندات التي تصدر عن الإدارة كعنوان للحيازة القانونية، أو تهيئة كـ: رخصة حيازة، أمر بالدفع، وصل الترحيل، إفادة الشغل والاستغلال، المخالصة، السير، الرقم، وكان كل ذلك سببا مباشرا في ضياع اغلبها من أرشيف المنح إهمالا، وتعمُّدا.
ومن خلال قرارين مبدئيين صادرين عن الغرف المجمعة بالمحكمة العليا وضع القضاء منهجيته الخاصة لإنقاذ نفسه من هذه الورطة، فقد حسم القرار الأول رقم:18/2007 مسألة الاختصاص، و خوّل قاضي الأصل حرية التعامل مع الوقائع التي يتقدم بها أطراف النزاع أمامه، و قرر أنه عند تعدد منح نفس القطعة الأرضية يتعين اعتبار المنح الأول السليم الظاهر في رخصة الحيازة أو أية وثيقة أخرى معتبرة إذ من المعلوم أن الادراة متى منحت منحا صحيحا لم يعد لها أن تمنح ثانية إلا بعد إصدار مقرر بإلغاء المنح الأول للحيازة.
وتبنى في القرار الثاني رقم: 019/2012 بتاريخ:12/12/2012 أن لفظ الرخصة الوارد في المادة 12 من القانون العقاري ينفي قصرها على رخصة الحيازة حيث يختلف مسلك الإدارة حيث درجت على المنح إما بـ: موجب رسالة منح صادرة عن الوالي تبين على نحو جازم وقطعي منح القطعة للشخص المعني مع دعوته لتسديد مبلغ معين، وإما بدعوة المستفيد للدفع بموجب أمر بالتسديد ORDRE DE PAIEMELT وأحيانا أخرى بواسطة رسالة منح معززة بقسيمة BADGEغير مصحوبين بطلب تسديد. و تأسيسا عليه فلا يمكن أن يشكل تاريخ رخصة الحيازة الدليل الوحيد على أسبقية المنح في حد ذاته.
لقد أسهم هذا القرار الأخير في إنصاف المتقاضين الذين يحوزون قطعا أرضية دون أن تكون لهم سوى الوثائق الممهدة للحصول على رخصة الحيازة كالمخالصة أو أمر الدفع أو البادج أو رسالة المنح مع الحيازة المادية أحيانا، والذين كانت حقوقهم تضيع حين يستطيع خصمهم الحصول بأي طريقة على رخصة حيازة أو سند عقاري يواجههم به أمام القضاء، وغالبا ما يكسب القضية عندما يركز القاضي على السند المتوِّج للحيازة [رخصة الحيازة وتاريخها] ويترك باقي السندات الممهدة متجاهلا الطريقة التي تم الحصول بها عليه، فقبل هذا القرار لم يكن لعبارة” أو أية وثيقة أخرى معتبرة” أي معنى يمكن الركون إليه، مما أنار القضاة إلى ضرورة المفاضلة بين جميع تلك السندات.
إن هذين القرارين رسما منهجية معينة في التعامل مع النزاعات التي تقوم على أساس الحيازة القانونية وازدواجية المنح وبشكل حاسم تتطلب تحقيقا دقيقا في الوثائق من قبل القاضي الذي يتعامل تعاملا حرا معها من حيث الترجيح، وعند تساوي الوثائق في التاريخ، يصار إلى الحيازة المادية.
كما أدى تبني المحكمة العليا في عديد قراراتها إلى مسألة إبطال السندات العقارية المستصدرة وفق مساطر مشوبة بالغش والتدليس انتصارا للدولة وللهشاشة خصوصا السندات التي التهمت المجال العمومي [الساحات العمومية] والتي لم تؤسس على أي استثمار، أو اعتدت على حائزين مباشرين قهرهم التغوُّل وحال دون حصولهم على وثائق مضاهية لوثائق الملتهمين الذين حصلوا عليها بوسائل غير مشروعة في غفلة من الزمن، وبقرارات منح نهائي أو مؤقت في المجال الحضري أو ريفي بمساحات شاسعة لم تخضع في مجملها للرقابة لتحصل تبعا لذلك على تأشيرة التشريع حتى يمكن الاحتجاج بها أمام القضاء طبقا للقانونين:0291959\ و 0111989\ ما جعل القضاء الإداري لا يولها أهمية كبيرة في عديد قراراته.
وبهذا يكون للقاضي دور جليٌّ في ضمان النفاذ للملكية العقارية وضمان استقرارها و حمايتها عندما يبطل تلك السندات العقارية ليساوي مراكز الأطراف أمام قضاء الحيازة (محكمة المقاطعة).
وفي الوقت الحالي فان نطاق عمل القضاء يجب أن لا يطال بحال مجال التأهيل الحضري الذي تشرف عليه وكالة التنمية الحضرية ADU لعدم انتهاء عملية التأهيل التي ستتوج لاحقا بالمنح المؤذن بإمكانية التنازع حول الحقوق وهي المرحلة التي لم تصل إلى الآن لعدم اكتمال الهيئات المكلفة بالتنفيذ واستكمال أشغال إعادة تأهيل الأحياء العشوائية في نواكشوط والمعينة بموجب المقرر المشترك رقم:0123 بتاريخ:17 فبراير 2015.
إن واقع النزاعات العقارية وحجمها وتشعبها يوجب تأسيس قضاء عقاري متخصص [محكمة عقارية] خصوصا في انواكشواط لمسايرة الإصلاحات التي يقام بها في الوقت الحالي والتي لن تؤتي أكلها إلا بمسايرة القضاة لها مواكبة للترسانة العقارية التي نحتفي اليوم بإصدارها المتعلق بمدونة الحقوق العينية التي تضمنها القانون رقم:014.2017 بتاريخ:12 يونيو 2017 ونشرت في الجريد الرسمية عدد: 1397 بتاريخ:30.09.2017، والتي تعد إضافة تشريعية هامة تسد كثيرا من الثغرات التي كان القضاء يقف مكتوف الأيدي أمامها فيلجأ بخجل إلى تطبيق مرسوم استعماري غريب هو [مرسوم:1932 العقاري].
في نهاية المطاف يتبين أن النفاذ إلى الملكية العقارية يحتاج إلى عدة ضمانات أساسية وقوية متعددة، فلا تكفي الضمانة التشريعية فحسب بل لا بد من الضمانات الإدارية والقضائية الكفيلة بذلك.
و الحق يقال أن إصدار مدونة الحقوق العينية، يعد فخرا وتحقيقا لمأمول، كما أن إشراف عملية التأهيل على النهاية ووضع مخططات عمرانية لغالبية مقاطعات البلد، ومركزة المنح لدى وزارة المالية وتحديث وثائق المنح، ومكْنَنَتها في[برنامج تهليل]، وتمكين الحائزين منها وإنشاء اللجنة الوزارية المشتركة للإصلاحات العقارية المنشأو بموجب المقرر رقم:639 الصادر بتاريخ:07 يوليو 2016 تحت إشراف الوزير الأول وتطبيق توجيهات لجنتها الفنية المعينة بتاريخ:29 يونيو 2016، والقيام بمسح عقاري وطني شامل ، يعدّ سيرا في الاتجاه الصحيح المسهل للنفاذ للملكية العقارية النهائية التي يكفي برهانا على قلتها أن نعطي دليلا خاتما وهو أن عدد السندات العقارية الإجمالية في موريتانيا لا يتعدى 33.000 سندا عقاريا وهو رقم ضئيل جدا ، يكفي دليلا عند تقييم على عدم نجاعة جميع المعالجات فقهية، وتشريعية وإدارية وقضائية، ما يستدعي الشروع في تسهيل النفاذ للملكية العقارية وبشكل عاجل حفاظا على الأمن العقاري و الوئام الوطني وليتحقق التناصف الاقتصادي والاجتماعي المأمول.

بقلم / د.هارون ولد عَمَّار ولد إديقبي