
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول لا يُقاس حضور الحكومات بعدد التصريحات ولا بضجيج العناوين، بل بما تُخلّفه السياسات من أثرٍ ملموس في حياة الناس، وبما تُنجزه الإدارة من تغييرٍ هادئ لكنه نافذ، وبما تفرضه الدولة من انضباط في السوق والخدمات والفضاءات العامة؛ لأن الدولة—في جوهرها—ليست شعارًا يُرفع، بل نظامٌ يحمي التوازن، ويمنع الفوضى، ويؤسس للثقة. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تتقدّم معالي وزيرة التجارة والسياحة، السيدة زينبُ منت أحمدناه، بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات الحكومية اكتمالًا في الأداء خلال عام 2025؛ لا لأنها واجهت ملفاتٍ عادية أو سهلة، بل لأنها تصدّت لمناطق حساسة تُلامس معيش المواطن مباشرة، وتختبر في كل يوم معنى السلطة التنفيذية وجدواها: الأسعار، الرقابة، حماية المستهلك، الغشّ والمضاربة، تنظيم أماكن الترفيه والمطاعم، وإنعاش السياحة الداخلية. أي أنها واجهت “اليوميّ” الذي تتشكل فيه الثقة أو تنهار، وتتعطل فيه التنمية أو تتقدم، وتُقاس فيه هيبة الدولة بين الناس لا في الأوراق.
إن الحديث عن زينب منت أحمدناه في 2025 ليس حديثًا عن وزيرة نشطة بمفهوم النشاط العابر، ولا عن حضورٍ إعلامي يمكن أن يتقدم أو يتراجع، بل هو حديث عن نموذج في إدارة القطاع العام يقوم على قرارٍ تنفيذي صارم، وحضورٍ ميداني مستمر، وربطٍ للإصلاح بالمصلحة العامة لا بالمزاج الإداري. ففي بلدٍ ظلت ملفات السوق والخدمات مفتوحة على احتمالات الفوضى والتراخي، كان أن تُعيد هذه الوزيرة ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطن من بوابة التجارة والسياحة، وأن تُثبت أن الإدارة حين تتحرك تصبح القانونَ حاضرًا في السوق، لا نصًا محفوظًا في الأدراج، وأن حماية المواطن لا تُدار بالنيات الحسنة وحدها، بل بآليات ضبطٍ ورقابةٍ تشتغل كأنها نبض يومي للدولة.
لقد فهمت الوزيرة منذ بداية العام أن السوق في الدول النامية يتجاوز كونه نشاطًا اقتصاديًا ليصبح مساحة أمنٍ اجتماعي بامتياز؛ فالأسعار ليست مجرد أرقام، بل هي مستوى معيشة، واستقرار أسر، وثقة مجتمع. لذلك تعاملت مع مراقبة الأسعار لا كحملة موسمية تُرفع عند الحاجة ثم تهدأ، بل كوظيفة دائمة للوزارة، وكواجب سيادي لا يقبل التراخي، واضعةً القدرة الشرائية في قلب أولوياتها التنفيذية. كانت تدرك أن التضخم والتلاعب والمضاربة ليست أحداثًا عفوية تقع ثم تختفي، بل سلوكيات تُغذّيها الثغرات، ويُشجعها ضعف الرقابة، ويُكرّسها غياب الردع، وأن الدولة حين تتراجع خطوةً واحدة أمام السوق يتقدّم الجشع خطوات، ويدفع المواطن الثمن كاملًا. من هنا جاء نهجها قائمًا على معادلة واضحة: متابعة دقيقة، رقابة ميدانية، محاسبة وفق القانون، وتفعيل للآليات التنظيمية بما يضمن شفافية التسعير وتوفر المواد الأساسية، ويقطع الطريق على الاحتكار والتلاعب، ويعيد للسوق شيئًا من إنصافه الطبيعي.
ولأن أي سياسة لضبط الأسعار لا تقوم إلا على جهاز رقابي قوي، كان التحول الأبرز في عام 2025 هو إعادة الاعتبار لإدارة حماية المستهلك وجعلها ذراعًا ميدانيًا لا مكتبًا إداريًا. فقد جرى تفعيل دورها بصورة ملحوظة عبر فرق خاصة لمكافحة الغش والمضاربة والتلاعب بالأسعار، ورفع وتيرة التفتيش والرقابة، وتوسيع نطاق التدخل ليشمل الأسواق والفضاءات التجارية والخدمية، والتشديد على أن حماية المستهلك ليست بندًا في الخطة، بل عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، وأن الغشّ حين لا يُعاقَب يتحول إلى نظام، وأن المضاربة ليست تجارة بل استغلال للأزمات وإعادة توزيع للثروة من جيوب الضعفاء إلى جيوب المحتكرين. وقد كانت الوزيرة حاسمة في هذا المسار، متبنية منطقًا لا يهادن في ما يتعلق بالصحة العامة وسلامة الغذاء وصلاحية المواد المعروضة وظروف تخزينها، ولا يتساهل مع الخداع التجاري أو الإعلانات المضللة أو مخالفة المعايير، مؤكدةً عمليًا—قبل أن تؤكد خطابًا—أن القانون ليس نصًا للاستهلاك، بل آلية ردع، وأن الدولة التي تحمي سوقها تحمي استقرارها.
ولم تتوقف الإصلاحات عند حدود الأسواق والمواد الأساسية، بل امتدت إلى ملف الخدمات الذي يرتبط بصورة البلد وكرامة المواطن واقتصاد السياحة معًا. ففي عالم اليوم لم تعد المطاعم وأماكن الترفيه هامشًا ثانويًا، بل جزءًا من الواجهة الحضارية للدول، ومن مناخ الاستثمار في قطاع الخدمات، ومن تجربة الزائر والمقيم. غير أن هذه الفضاءات تتحول بسرعة إلى فوضى إن لم تُنظم، وقد تصبح بوابة استغلال للمستهلك إن لم تُراقب أسعارها وجودتها ومعاييرها الصحية. هنا برزت مقاربة الوزيرة المتوازنة: تشجيع الاستثمار دون ترك المجال للفوضى، وفتح أبواب القطاع أمام المبادرات مع فرض شروط واضحة تتعلق بالنظافة والسلامة وجودة الخدمة وشفافية التسعير، وتنظيم العلاقة بين مقدم الخدمة والمستهلك بما يعكس أن الدولة ليست خصمًا للاستثمار، لكنها خصمٌ للفوضى، وأن الربح لا يكون على حساب صحة الناس ولا على حساب سمعة البلد ولا على حساب المواطن الذي لا يجوز أن يتحول إلى هدفٍ سهل للاستنزاف.
وفي السياق ذاته، جاءت مقاربة الوزيرة لملف السياحة الداخلية باعتبارها تنفيذًا واعيًا للتوجيهات الرئاسية التي جعلت من السياحة رافعة ضمن مسارات تنويع الاقتصاد الوطني. لقد تعاملت مع السياحة لا كفكرةٍ أنيقة تُطرح في المناسبات، بل كصناعة تحتاج إلى بنية خدماتية منضبطة، وأسعار عادلة، ونظم رقابية تضمن ثقة المواطن والزائر، وتحتاج قبل ذلك إلى عقل إداري يحول الإمكانات الطبيعية والتاريخية إلى برنامج عمل. فموريتانيا ليست بلدًا فقيرًا في الجمال ولا في التراث ولا في الامتداد الطبيعي، لكنها كانت بحاجة إلى إدارة تربط السياحة بالتنمية، وتجعلها طريقًا لتحريك الاقتصاد المحلي وتشغيل الشباب وتعزيز حضور الداخل في معادلة النمو. ومن هنا كان الإصرار على جعل السياحة الداخلية مشروعًا وطنيا، لا موسمًا عابرًا؛ مشروعًا يستند إلى تنظيم الخدمات وضبط الفضاءات وتفعيل الرقابة، لأن السياحة لا تنجح في بيئة سوق فوضوية، ولا تُقنع إذا كانت الخدمات بلا معايير، ولا تزدهر إذا كانت الأسعار عبئًا على المواطن ومصدر قلق للزائر.
إن ما يجعل عام 2025 مختلفًا في هذا السياق هو أن الوزيرة لم تتعامل مع الملفات بوصفها جزرًا منفصلة، بل نظرت إليها كمجال واحد مترابط: فالسياحة تحتاج سوقًا منضبطًا، والسوق يحتاج رقابة صارمة، والرقابة تحتاج جهاز حماية مستهلك فعال، وحماية المستهلك لا تكتمل دون تنظيم قطاع الخدمات والمطاعم والترفيه، وتنظيم الخدمات يعزز صورة البلد ويشجع الاستثمار ويجعل السياحة ممكنة. هذه المقاربة الشمولية هي التي صنعت الفرق، وهي التي جعلت آثار العمل تظهر في شكل انضباط أعلى، وحضور ميداني أكبر، وتزايد شعور المواطن بأن الدولة ليست بعيدة عن تفاصيل حياته اليومية.
ولهذا، فإن زينب منت أحمدناه لم تكن وزيرة حضورٍ إعلامي، بل وزيرة أثرٍ واضح. لم تكن وزيرة عناوين، بل وزيرة سياسات تنفيذية. لم تكن وزيرة تصريحات، بل وزيرة ضبطٍ وتنظيم وتفعيل ومحاسبة. وقدمت خلال عامٍ واحد نموذجًا يمكن وصفه بـ“هيبة الدولة الهادئة”: تلك الهيبة التي لا ترفع صوتها، لكنها تعمل؛ لا تكثر الكلام، لكنها تراكم الفعل؛ لا تُبالغ في التجميل، لكنها تُغيّر الواقع. وبذلك كله، يصبح من الطبيعي أن تُصنّف بوصفها “شخصية العام 2025 في الحكومة”، لا لأن الثناء مطلوب، بل لأن التجربة نفسها تقول إن الدولة حين تريد أن تكون قريبة من المواطن، صارمة مع الفوضى، عادلة في السوق، حازمة مع الغشّ والمضاربة، ومؤمنة بأن السياحة مشروع لا زينة، فإنها تحتاج إلى مسؤولين من هذا الطراز: مسؤولين يجعلون الوزارة جهازًا حيًا، والقرار التنفيذي فعلًا، والقانون واقعًا، والإصلاح أثرًا يُلمس قبل أن يُقال.
إسماعيل الرباني
المدير الناشر
لوكالة الوئام الوطني للأنباء





