
يُعدّ تجديد الفكر الديني من أكثر القضايا إلحاحًا في واقع المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة، ليس بوصفه تمرينًا نظريًا أو جدلًا لاهوتيًا معزولًا، بل باعتباره شرطًا معرفيًا وأخلاقيًا لإعادة بناء العلاقة بين النص الديني والإنسان والواقع. فالأزمة الراهنة ليست أزمة إيمان أو نقص تدين، بل أزمة منهج في الفهم، وأزمة ترتيب للمصادر، وأزمة خلط بين المقدّس والبشري، أدت إلى جمود فكري، وانقسامات مذهبية، وتوظيف سياسي للدين.
في هذا السياق، يبرز المشروع الفكري الذي يطرحه المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي بوصفه محاولة منهجية لإعادة الاعتبار للقرآن الكريم كمصدر مرجعي أعلى، ومنطلق تأسيسي لفهم الدين، بعيدًا عن التراكمات التاريخية التي اكتسبت، عبر الزمن، سلطة شبه مقدسة رغم طابعها البشري.
القرآن بوصفه مرجعية عليا ..
ينطلق الشرفاء من مسلمة مركزية مفادها أن القرآن هو النص الوحيد الموحى به، المحفوظ بنصه، والملزم في مرجعيته، بينما تمثل بقية المدونات الدينية - من فقه وحديث وتفسير - اجتهادات بشرية ارتبطت بسياقاتها التاريخية والسياسية. ويستند هذا التصور إلى عدد كبير من الآيات التي تؤكد اكتمال القرآن وكفايته للهداية، من قبيل قوله تعالى:
"ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ" (الأنعام: 38)،
وقوله:
"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً" (النحل: 89).
فالدلالة هنا ليست فقهية جزئية، بل منهجية كلية، تؤكد أن القرآن وضع الأطر العامة والقيم العليا، وترك للإنسان مهمة الاجتهاد في التنزيل وفق مقتضيات الزمان والمكان.
نقد الجمود والتقليد ..
يرى الشرفاء أن الانحراف التاريخي في مسار الفكر الديني بدأ حين انتقلت المرجعية من القرآن إلى "النصوص الثانوية"، وحين تحولت بعض التأويلات البشرية إلى قيود على العقل ووصاية على الضمير. وهو ما يتناقض مع الروح القرآنية التي جعلت التفكير والتدبر شرطًا للإيمان الواعي، كما في قوله تعالى:
"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (محمد: 24)،
وقوله:
"إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الروم: 24).
فالقرآن لا يخاطب إنسانًا مستلب الإرادة، بل عقلًا حرًا مسؤولًا، ويُدين الاتباع الأعمى والتقليد غير الواعي:
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا" (البقرة: 170).
تحرير الدين من العنف والتسلّط ..
يكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة في ظل تصاعد الخطابات المتطرفة التي تستند إلى قراءات انتقائية للنصوص، وتُسقطها خارج سياقها، لتبرير العنف واستباحة الدماء. وهنا يشدد الشرفاء على أن القرآن يضع الحياة الإنسانية في مرتبة عليا، ويجعل حفظ النفس أصلًا من أصول التشريع:
"مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" (المائدة: 32).
كما يقرر مبدأ حرية الاعتقاد بوضوح لا لبس فيه:
"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256)،
"فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: 29).
وبذلك، فإن أي خطاب ديني يقوم على الإكراه أو القسر أو العنف، هو خطاب مناقض للقرآن في جوهره، مهما استند إلى مرويات أو فتاوى تاريخية.
الإنسان في مركز الخطاب القرآني ..
من المرتكزات الأساسية في مشروع الشرفاء إعادة الإنسان إلى مركز الخطاب الديني، بوصفه كائنًا مكرمًا ومسؤولًا، لا تابعًا لمؤسسة دينية أو سلطة فقهية. ويستند هذا التصور إلى قوله تعالى:
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء: 70)،
وهو تكريم مطلق يشمل الإنسان لذاته، بغض النظر عن دينه أو عرقه أو جنسه.
ويترتب على هذا الفهم تأسيس رؤية دينية منسجمة مع مبادئ المواطنة، والحقوق المتساوية، واحترام التعدد، دون الوقوع في منطق الإقصاء أو التكفير.
الدين والدولة: القيم لا التفاصيل ..
يرفض الشرفاء فكرة "النظام الإلهي التفصيلي" للحكم، ويرى أن القرآن لم يقدّم نموذجًا سياسيًا جاهزًا، بل وضع مبادئ عامة مثل العدل والشورى والأمانة:
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" (النحل: 90)،
"وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ" (الشورى: 38).
أما تنزيل هذه القيم في قوانين ومؤسسات، فهو شأن بشري خاضع للاجتهاد والتجربة، وهو ما ينسجم مع منطق الدولة الحديثة، ويقطع الطريق على توظيف الدين لتبرير الاستبداد.
البعد الحضاري والحوار الإنساني ..
في مواجهة الإسلاموفوبيا والتوترات الحضارية، يؤكد الشرفاء أن القرآن يؤسس لعلاقات إنسانية قائمة على التعارف والتعاون، لا الصدام:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات: 13).
وهو ما يجعل من الخطاب القرآني الأصيل أساسًا لحوار حضاري عالمي، يتجاوز ثنائية "نحن" و"هم".
إن مشروع تجديد الفكر الديني، كما يطرحه علي محمد الشرفاء الحمادي، ليس مجرد اجتهاد فردي، بل رؤية منهجية لإعادة بناء الوعي الديني على أسس قرآنية صلبة، تحرر العقل من الجمود، والدين من التوظيف، والإنسان من الوصاية. وهو مشروع يكتسب راهنيته من عمق الأزمة، وقيمته من اتساقه مع النص المؤسس، وأهميته من قدرته على فتح أفق حضاري جديد، يعيد للدين غايته الكبرى: الهداية، والعدل، والرحمة، وصيانة كرامة الإنسان.





