بيان توضيحي ورد رسمي

أحد, 02/08/2026 - 19:14

بصفتي رئيسَ اللجنة الإعلامية باللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، واستنادا إلى الصلاحيات والحصانة التي يخولها لي القانون النظامي رقم 016/2017، واطلاعا على البيان الصادر عن النقابة الوطنية للأئمة وشيوخ المحاظر بخصوص وفاة تلميذ محظري في ظروف مأساوية، يطيب لي أن أسجل جملة الملاحظات التالية، توضيحا للرأي العام، وانتصارا للحقيقة، وصونا لحقوق الضحايا، دون استهداف لأي مؤسسة، ولا تشكيك في أي دور علمي أو تاريخي.

أولا: لا تعارض بين مكانة المحظرة ومبدأ المساءلة

لا يجادل أحد في المكانة العلمية والتاريخية للمحظرة في الوجدان الموريتاني، ولا في إسهامها العميق في حفظ العلم والهوية. غير أن تقدير المؤسسة لا يعني تحصينها من المساءلة.
فالمحظرة، شأنها شأن المدرسة والمستشفى، فضاء رعاية ومسؤولية، ومن يضع طفلا أو مراهقا تحت وصايته يتحمل كامل المسؤولية عن سلامته الجسدية والنفسية. وهذه المكانة، مهما علت، لا تمنح حصانة أخلاقية أو قانونية عند وقوع إهمال أو تقصير يمس الحق في الحياة، وهو أسمى الحقوق الإنسانية على الإطلاق.

إن الدفاع الحقيقي عن المحاظر لا يكون بتبرير الخطأ أو القفز على الوقائع، بل بترسيخ معايير الحماية والرعاية والوقاية، وضمان سلامة التلاميذ قبل أي اعتبار آخر.

ثانيا: البيان أغفل جوهر القضية

يُؤخذ على البيان الصادر افتقاره التام إلى أي إدانة صريحة للإهمال، بما يرقى في حدّه الأدنى إلى مستوى التواطؤ بالصمت. ولم يتطرق بوضوح إلى الأسئلة الجوهرية التي يفرضها حجم المأساة، وفي مقدمتها:
- أسباب تأخر التدخل الطبي،
- ملابسات عدم إبلاغ الأسرة في الوقت المناسب،
- دواعي إبقاء التلميذ في محظرة نائية دون رعاية صحية ملائمة،
- وتحديد المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة عن القرار أو التقصير.

إن تغييب هذه العناصر الجوهرية يجعل البيان توصيفيا تبريريا أكثر منه موقفا أخلاقيا مسؤولا ينسجم مع خطورة الواقعة.
وفي أحسن الأحوال، فإن ذلك يُعد تقصيرا جسيما، لأن وفاة شاب مراهق في ظروف كهذه لا يمكن اختزالها في "حادث عرضي"، بل هي فشل في الرعاية، وتهاون في صون الأرواح، وينم عن جهل بمقتضيات الشرع والقانون معا.

ثالثا: تحويل الإهمال إلى "قدر" مغالطة مرفوضة

إن توصيف الوفاة بصيغ توحي بالقضاء والقدر أو الاستشهاد يشكل مغالطة خطيرة، لا تنسجم مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان ولا مع مقاصد الشريعة نفسها.
فالقدر لا ينفي واجب الحيطة، ولا يعفي من المسؤولية، ولا يجوز توظيف الخطاب الديني لتغطية وقائع إهمال بشري محتمل أو لتبرير تقصير أو جُرم قابل للمساءلة.

رابعا: التلميذ هو الحلقة الأضعف، وحقه أولى

من أخطر ما ورد في البيان تركيزه المطول على حماية الشيوخ والمؤطرين، في مقابل غياب الحديث الصريح عن:
- حق التلميذ في الرعاية الصحية،
- حقه في التواصل مع أسرته،
- حقه في الحماية أثناء وجوده تحت وصاية تربوية.

وهو ما يعكس اختلالا خطيرا في ترتيب الأولويات، لا ينسجم لا مع القيم الدينية التي تُعلي شأن النفس البشرية، ولا مع المعايير الحقوقية التي تجعل حماية الفئات الهشة في صدارة الالتزامات.

خامسا: شيطنة المنتقدين إرهاب فكري مرفوض

إن رمي الأصوات التي رفضت الصمت على هذه الفاجعة بأوصاف غوغائية من قبيل "حثالة من رواد وسائط التواصل الاجتماعي" أو "أذيال العلمانيين"، يُشكل إرهابا فكريا وإعلاميا مرفوضا، هدفه الواضح احتكار المشروعية الدينية وإسكات كل صوت ناقد مطالب بالعدالة، وتجريم المطالبة بالمحاسبة، بدل مناقشة الوقائع والرد عليها بالحجة والمسؤولية.

سادسا: التحقيق ليس استهدافا

إن أي تحقيق قضائي أو إداري مستقل وشفاف لا يُعد استهدافا للمحاظر ولا للنقابة، بل هو آلية دولة القانون، وضمانة أساسية لمنع تكرار المآسي وصون كرامة المؤسسات قبل الأفراد.
أما التلويح بالتصدي أو المواجهة، فإنه لا يُفهم إلا بوصفه ادّعاء ضمنيا بالعصمة واستظهارا بحصانة موهومة من المساءلة، ويعكس رفضا مسبقا لمبدأ المحاسبة، وهو موقف لا يخدم المحاظر، ولا القائمين عليها، ولا المجتمع، بل يسيء إليها جميعا ويقوّض الثقة في أدوارها ووظيفتها الأخلاقية.

إنني، بصفتي رئيسَ اللجنة الإعلامية باللجنة الوطنية لحقوق الإنسان:
- أؤكد، دون مواربة، الحاجة الملحّة إلى فتح تحقيق مستقل، جاد، وشفاف يكشف الحقيقة كاملة دون انتقائية أو مواربة؛
- أشدد على تحديد المسؤوليات بدقة، على أساس فردي ومؤسسي، دون تعميم مُخلّ أو تشهير تعسفي؛
- أطالب بمساءلة ومعاقبة كل من يثبت، قانونا، تسببه في وفاة الضحية، سواء بالفعل المباشر أو بالتقصير والإهمال أو الامتناع عن التدخل الواجب؛
- أدعو إلى إرساء آليات واضحة، صارمة وملزمة لحماية التلاميذ في المحاظر، ولا سيما في المناطق النائية، بما يضمن حقهم في الحياة والرعاية والسلامة، ويحول دون تكرار مثل هذه المآسي.

فحقوق الإنسان لا تُجزّأ،
والحق في الحياة لا يُؤوَّل ولا يُساوَم عليه،
وكرامة المؤسسات لا تُصان إلا بالعدل والمساءلة.

والله من وراء القصد.

عالي محمد ولد أبنو 
رئيس اللجنة الإعلامية باللجنة الوطنية لحقوق الإنسان