
في السياسة لا تعيش الامم على اجترار الماضى ولا على جلد الذات بل على قراءة اللحظة واستشراف المستقبل
المحاسبة مطلوبة لكنها لا تكون بديلا عن الرؤية ولا عذرا للعجز
واليوم ونحن نتابع التصعيد حول ايران نجد ان السؤال الاهم ليس ماذا جرى بل ماذا سيجرى وكيف نستعد
الحرب على ايران ان وقعت لن تكون معركة حدود تقليدية بل مواجهة متعددة الابعاد
ايران دولة اقليمية ذات نفوذ ممتد من الخليج الى العراق وسوريا ولبنان واليمن
واى اشتباك واسع سيشعل اكثر من ساحة ويهدد طرق الطاقة والملاحة فى الخليج والبحر الاحمر
وسيضع الاقتصاد العالمى كله امام اختبار قاس
الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب توازن بين الضغط والردع
واسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو ترى فى ايران خطرا وجوديا وتسعى منذ سنوات لكبح برنامجها النووى
وفى المقابل تعتبر طهران ان نفوذها الاقليمى هو خط دفاعها الاول وان التراجع يعنى محاصرتها داخل حدودها
المعادلة اذا معقدة
ضربة محدودة قد تتدحرج الى مواجهة واسعة
وحرب شاملة قد لا يملك احد رفاهية تحمل كلفتها
ولهذا تظل سياسة حافة الهاوية هى السائدة حتى اشعار اخر
اما الموقف العربى فيقف بين هاجسين
هاجس الخوف من تمدد ايران ونفوذها
وهاجس الخوف من الفوضى اذا اشتعلت المنطقة
بعض الدول العربية سعت فى السنوات الاخيرة الى تخفيف التوتر عبر مسارات تفاهم وحوار
اخرى ما زالت ترى فى التحالفات الدولية ضمانة امنها
لكن الحقيقة ان الامن العربى لا يبنى بالكامل على مظلات خارجية ولا على صراعات بالوكالة
التحدى الحقيقى امام العرب اليوم هو الانتقال من رد الفعل الى الفعل
من انتظار نتائج الصراع الى صناعة بيئة اقليمية اقل قابلية للانفجار
ذلك يتطلب ثلاثة مسارات واضحة
اولا تحصين الداخل سياسيا واقتصاديا فالدولة القوية داخليا اقل عرضة للابتزاز الخارجى
ثانيا بناء موقف عربى مشترك لا يقوم على الشعارات بل على تنسيق امنى واقتصادى حقيقى
ثالثا دعم مسارات التهدئة ومنع الانزلاق الى حرب شاملة لان كلفة النار اذا اشتعلت لن تتوقف عند حدود دولة بعينها
السياسة ليست انتقاما من الماضى بل هندسة للمستقبل
والمستقبل فى هذه اللحظة يتطلب عقلا باردا لا خطابا حماسيا
فالمنطقة لم تعد تحتمل حربا جديدة
ولا تحتمل ايضا استمرار حالة اللا سلم واللا حرب
الرهان الان ليس على من يربح المعركة بل على من يمنع وقوعها
ومن يحسن قراءة اللحظة قبل ان تفرض عليه نتائجها

.jpg)
.jpg)



