شهادة معارض… حين يعلو الوطن فوق الاصطفافات

اثنين, 03/16/2026 - 11:02

من موقعي كمنتخبٍ معارضٍ للنظام، وكأحد أنصار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، أجدني ملزماً ـ قبل أي اعتبار سياسي ـ بأن أقدّم مصلحة الوطن على كل انحيازٍ آخر، وأن أظل متمسكاً به بوصلةً عليا لا تتبدل بتبدل المواقع ولا بتقلب المواقف. فالوطن في نظري أوسع من الاصطفافات، وأبقى من المعارك السياسية العابرة. ومن هذا المنطلق أنحاز لكل جهدٍ إيجابي يُسهم في خدمة المواطن، وأتبرأ من كل فسادٍ أو انحيازٍ للباطل، أيّاً كان مصدره أو موقعه.
وعبر تجربة سياسية أراها ثرية من حيث الممارسة والمشاركة في النقاش العمومي، ومن خلال ما عايشته من محاولات البحث عن حلولٍ جادة لمعضلات الجوع والجهل والتخلف، والسعي إلى وقف نزيف النهب والفساد وضبط موارد البلاد وتوجيهها نحو التنمية الحقيقية، أسجل في هذه السطور شهادةَ معارضٍ في حق الوزير الأول المختار ولد اجاي.
ذلك أن الرجل، منذ دخوله المؤثر إلى دائرة صُنّاع القرار، أظهر قدراً لافتاً من الجدية والانضباط في التعاطي مع الشأن العام، وظل ـ في ما يبدو من أدائه ـ وفياً لبرامج خدمة الوطن والمواطن، مقدماً رؤية تقوم على تعظيم المصلحة الوطنية، والعمل على تحديث مستوى مشاركة الشعب في مشروع بناء وطنٍ جمهوري ديمقراطي حديث؛ وطنٍ يستفيد من تجارب الأمم الناجحة، ويتجاوز مواطن الفشل، ويبحث عن طريقه بثقةٍ ووعي في عالمٍ متغير.
غير أن هذه الشهادة، على صراحتها، لا تعني إغفال قناعتي الراسخة بأن أي تنمية، وأي محاولة لضبط الموارد، ما لم تستجب لمعايير الرقابة الصارمة والمحاسبة العادلة، ستظل تنميةً ناقصة، وإن حققت بعض المكاسب الظاهرة. فالدولة العادلة لا تقوم فقط على حسن النيات أو على المبادرات الإدارية، بل تقوم قبل ذلك على منظومة شفافة من المساءلة والرقابة، تحمي المال العام وتصون ثقة المواطن.
ومن الطبيعي أن يتجاوز معارضٌ مثلي ـ أو غيري من شخصيات المعارضة ـ الإشادة بجهدٍ يصدر عن ثاني شخصية في النظام الحاكم؛ فذلك موقفٌ قد يراه البعض منسجماً مع طبيعة الصراع السياسي. غير أن المقلق حقاً هو أن يصدر هذا الرفض أو التنكر من داخل دوائر نافذة ومؤثرة في النظام ذاته. فحين تتحول المنافسة داخل الفريق الحاكم إلى إنكارٍ للجهود وتبخيسٍ للإنجازات، فإن ذلك لا يعكس حيويةً صحية بقدر ما يرسخ ثقافة الحسد والغيرة السياسية، ويضعف روح العمل الجماعي داخل مؤسسات الدولة.
ولست أسعى من خلال هذه الكلمات إلى لفت الانتباه أو كسر الحواجز المصطنعة؛ فالذين يعرفونني يدركون أن هذه هي قناعتي وهذا هو أسلوبي في التعاطي مع الشأن العام. ومهما عبّرت عن تقديرٍ لجهدٍ هنا أو موقفٍ هناك، فإن موقفي من النظام سيظل كما هو، وستظل قناعتي ثابتة بأن ما بُني على باطلٍ فهو باطل، وأن من أخطر ما عانى منه الوطن عبر السنوات هو صراع أجنحة الفريق الحاكم والمتنفذين داخله، ذلك الصراع الذي كثيراً ما استنزف طاقة الدولة، وبدّد فرص الإصلاح الحقيقي.
إن الوطن، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى صراعات النفوذ بقدر ما يحتاج إلى إرادةٍ صادقة تجمع بين الإصلاح والرقابة، وبين البناء والمحاسبة، حتى تستقيم مسيرة الدولة ويستعيد المواطن ثقته في مؤسساته.

المستشار عن بلدية تيارت : بركه ولد احسين