على محمد الشرفاء يكتب حين يهجر الإنسان نور الله تشتعل الأرض ظلما وخرابا...

جمعة, 03/20/2026 - 15:27

لم تعد مآسي العالم مشاهد متفرقة ولا صراعات عابرة بل تحولت إلى حالة إنسانية عامة تكشف خللا عميقا في علاقة الإنسان بمنهج ربه
دماء تسفك بغير حق
بيوت تهدم على ساكنيها
أطفال يقتلون بدم بارد
حقوق تضيع وكأن الرحمة نزعت من القلوب وكأن العدل غاب من الأرض
في قلب هذا المشهد المظلم يبرز السؤال الجوهري
أين النور الذي أنزله الله لهداية الإنسان
وأين أثر الرسالة التي بعث بها رسول الله محمد عليه السلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور
لقد كان نزول القرآن حدثا فاصلا في تاريخ الإنسانية لا مجرد كتاب يتلى بل منهج حياة يقود إلى الرحمة والعدل والسلام
قال الله تعالى
( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) إبراهيم 1
( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم ) الحديد 9
لكن الواقع اليوم يكشف مفارقة مؤلمة
فالناس يرفعون شعارات الدين لكنهم في سلوكهم يعاكسون جوهره
يتلون الآيات لكنهم لا يقيمون العدل
يكبرون بألسنتهم لكن الظلم يسكن أفعالهم
يتحدثون عن الرحمة بينما القسوة تحكم تعاملاتهم
وكأن الرسالة تحولت عند كثيرين إلى طقوس شكلية لا منهج حياة
مع أن الله حسم الطريق بوضوح
( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) النحل 90
( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين ) الأعراف 56
إن ما نراه اليوم ليس إلا نتيجة طبيعية لهجر هذا المنهج
قلوب قست
ضمائر ماتت
عقول غاب عنها التدبر
فاستحكمت الأهواء وسيطرت الروايات الضالة وحجب النور عن النفوس
وقد وصف القرآن هذه الحالة بدقة مزلزلة
( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) الفرقان 30
( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) محمد 24
وحين يهجر الإنسان نور الله لا يبقى الفراغ فارغا بل تملؤه الفوضى
فتظهر سنن الله في الكون بلا محاباة
فتنزل العقوبات بأشكالها المختلفة
حروبا تلتهم الأخضر واليابس
كوارث تزلزل الاستقرار
صراعات تمزق المجتمعات
وقد بين الله هذه السنن بوضوح
( فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) العنكبوت 40
( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ) القصص 58
وما يحدث اليوم ليس استثناء من هذه القاعدة
بل امتداد لها
فالفساد الذي عم الأرض إنما هو صناعة بشرية حين أعرض الإنسان عن هدي ربه
( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) الروم 41
( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) الشورى 30
إنها ليست أزمة موارد ولا صراع مصالح فحسب
بل أزمة ضمير قبل كل شيء
أزمة علاقة مع الله
حين ينفصل السلوك عن الوحي تتحول الحياة إلى صراع مفتوح لا تحكمه قيم ولا يضبطه ميزان
وقد حذر الله من عاقبة هذا الانفصال منذ قرون طويلة
( فمن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) طه
( ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) الجن 17
( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد 11
( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) يونس 44
وهنا تكتمل الحقيقة
فالنور الذي أنزله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور هو نفسه الذي أعرضوا عنه فعادوا إلى الظلمات
والمنهج الذي جاء رحمة وعدلا وسلاما هو ذاته الذي تركوه فتحولت حياتهم إلى ضنك وشقاء
ليست الأزمة في غياب الرسالة
بل في هجرها
وليست في نقص الهداية
بل في الإعراض عنها
ومن هنا يبدأ طريق الخلاص
ليس بشعارات جديدة ولا بصراعات إضافية
بل بالعودة الصادقة إلى الأصل
العودة إلى كتاب الله تدبرا لا تلاوة فقط
عملا لا ادعاء
إقامة للعدل
إحياء لقيم الرحمة
ترسيخ لمعاني السلام
فإن سنن الله لا تتبدل
ومن أعرض عن النور عاش في الظلمات مهما ظن أنه في ضوء
ومن عاد إلى النور أشرقت حياته ولو أحاطت به العواصف