عاطف زايد يكتب :بين ركام الحروب.. يولد مشروع السلام

ثلاثاء, 04/07/2026 - 12:42

في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الحروب وتتسع فيه دوائر الصراع، لم يعد السلام مجرد شعارٍ أخلاقي أو خطابٍ مثالي يُتداول في المؤتمرات، بل أصبح ضرورة إنسانية ملحّة لبقاء المجتمعات واستقرار الدول. فمع كل رصاصة تُطلق، وكل مدينة تُدمّر، يتراجع الأمل في التعايش، ويعلو صوت الكراهية على حساب العقل والحكمة. هنا تبرز “رسالة السلام” كحاجة وجودية، لا كخيار ثانوي.
إن رسالة السلام في جوهرها ليست دعوة للاستسلام أو القبول بالظلم، بل هي مشروع متكامل يقوم على إعلاء قيمة الإنسان، وترسيخ مبادئ العدالة، وفتح قنوات الحوار بدلاً من منطق القوة. فالحروب، مهما اختلفت مبرراتها، تترك خلفها جراحاً عميقة لا تندمل بسهولة، بينما السلام الحقيقي يعالج جذور الصراع ولا يكتفي بوقف إطلاق النار.

وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، حيث تتراجع القيم الإنسانية أمام حسابات المصالح، تكتسب رسالة السلام أهمية مضاعفة. إذ لم تعد المؤسسات الدولية قادرة وحدها على فرض الاستقرار، بل أصبح دور الشعوب والمبادرات المجتمعية محورياً في إعادة صياغة الوعي العام. فبناء السلام يبدأ من الفرد، من الأسرة، ومن الخطاب اليومي الذي يتبناه الناس في حياتهم.
كما أن العالم العربي، الذي أنهكته النزاعات والانقسامات، في أمسّ الحاجة إلى خطاب سلام جديد، خطاب يتجاوز النخب إلى الشارع، ويخاطب البسطاء بلغة قريبة من واقعهم. فلا يكفي أن نتحدث عن السلام في القاعات المغلقة، بل يجب أن يتحول إلى سلوك يومي وثقافة عامة، تُترجم في المدارس، والإعلام، والمساجد، والبيوت.

وتكمن قوة رسالة السلام في قدرتها على الجمع بين القيم الدينية والإنسانية. فالإسلام، منذ نشأته، كان دعوة للرحمة والتعايش، “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وهي رسالة تتسق مع القيم الإنسانية العالمية التي ترفض الظلم وتدعو للعدل. ومن هنا يمكن لرسالة السلام أن تكون جسراً بين الحضارات، لا ساحة للصراع بينها.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الأفكار، بل في تحويلها إلى واقع. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بقدر ما يحتاج إلى مبادرات عملية تُعيد الثقة بين الشعوب، وتكسر دوائر العنف المتكررة. وهنا يأتي دور المؤسسات الفكرية والمجتمعية في تبني مشاريع حقيقية، مثل نشر ثقافة التسامح، وإطلاق حوارات بين الثقافات، ودعم التعليم كأداة للسلام.
في النهاية، تبقى رسالة السلام هي الأمل الذي يمكن أن يُنقذ الإنسانية من الانزلاق نحو مزيد من الفوضى. فإما أن ينتصر صوت العقل، أو يستمر العالم في دفع ثمن الصراعات جيلاً بعد جيل. والسلام، في حقيقته، ليس نهاية الصراع، بل بداية الطريق نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.

القسم: