
في الدول التي تسعى إلى البناء والإصلاح، لا يكون الخطر الأكبر في المعارضة ولا في النقد، وإنما في أولئك الذين يحجبون الحقيقة عن صناع القرار، ويزينون لهم الواقع، ويصورون الإخفاقات على أنها نجاحات، والأزمات على أنها إنجازات. فالحاكم، مهما كانت نواياه صادقة، لا يستطيع أن يتخذ القرار الصحيح إذا كانت المعلومات التي تصله مغلوطة أو منقوصة.
لقد أظهر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الصدق ، في أكثر من مناسبة، وحرصه على التهدئة والانفتاح ومد اليد إلى مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، كما شهد له بذلك خصوم سياسيون وفي مقدمتهم النائب وزعيم حركة إيرا وصمبا اتيام قبل أن يشهد له أنصاره. غير أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي إذا كانت هناك دوائر من المنتفعين والمستفيدين تعمل على حجب الحقائق وتقديم صورة وردية لا تعكس واقع المواطنين ومعاناتهم.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مشروع إصلاحي هو وجود مسؤول أو مستشار أو صاحب نفوذ يجعل همه الأول المحافظة على موقعه ومصالحه، ولو كان الثمن تضليل القيادة وإخفاء مكامن الخلل والفساد والتقصير. فهؤلاء لا يخدمون الرئيس ولا الدولة، وإنما يخدمون أنفسهم فقط، ويؤجلون الانفجار بدل معالجة أسبابه.
وفي المقابل، فإن الأشخاص الذين يمتلكون الشجاعة لكشف الاختلالات والتنبيه إلى مواطن الفساد والهدر، يجب أن يُنظر إليهم باعتبارهم جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة. فالدول لا تتقدم بالمجاملات ولا بالنفاق الإداري والسياسي، وإنما تتقدم بالصدق والشفافية والمحاسبة.
لقد علمتنا التجارب أن التاريخ لا يرحم، وأن الشعوب لا تتذكر الذين صفقوا للخطأ، بل تتذكر الذين قالوا الحقيقة في الوقت المناسب. كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون الجميع صادقين مع الرئيس كما يفترض أن يكون الرئيس صادقاً مع شعبه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب ثورة أخلاقية في الإدارة والسياسة، عنوانها قول الحقيقة مهما كانت مؤلمة، ومواجهة الفساد مهما كانت مراكز أصحابه، ووضع الكفاءة والنزاهة فوق الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية. فالأوطان لا تبنى بالمغالطات، ولا تُحمى بالتقارير المزيفة، وإنما تبنى بالصدق والعمل والإخلاص.
وإذا كان هناك من رسالة ينبغي أن تصل اليوم، فهي أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن المسؤول الذي يخفي الحقيقة شريك في الأزمة، أما الذي يكشف الخلل ويسعى إلى الإصلاح فهو شريك في الإنقاذ. وبين هذين الطريقين سيكتب التاريخ حكمه الذي لا يجامل أحداً.


.jpg)



