
من أخطر الأخطاء التي تقع فيها الأمم أن تسمح للخلافات السياسية أو المواقف العابرة بأن تتحول إلى أحكام عامة على الشعوب بأكملها فالشعوب ليست حكومات والحكومات ليست الشعوب والتاريخ لا يُختزل في مواقف أفراد مهما ارتفعت أصواتهم أو اشتدت إساءاتهم
لقد مرت العلاقات المصرية السودانية بمحطات كثيرة من التقارب والتباعد لكن ما لا يمكن إنكاره أن بين الشعبين روابط تاريخية واجتماعية وإنسانية عميقة صنعتها الجغرافيا ووحدتها المصالح وجمعتها عقود طويلة من التعايش والتواصل والمصاهرة
ومن المؤسف أن تخرج بين الحين والآخر أصوات متطرفة هنا أو هناك تتعمد الإساءة أو بث الكراهية أو تصوير العلاقة بين الشعبين وكأنها علاقة خصومة وعداء بينما الواقع يؤكد أن ملايين السودانيين وجدوا في مصر وطنا ثانيا استقبلهم في أوقات الشدة وأن ملايين المصريين ما زالوا ينظرون إلى السودان باعتباره بلدا شقيقا تجمعه بمصر أواصر لا يمكن إنكارها
ولا شك أن بعض الممارسات الإعلامية والخطابات السياسية عبر سنوات طويلة ساهمت في تعميق سوء الفهم وإثارة الحساسيات المتبادلة لكن تحميل شعب كامل مسؤولية ما يفعله أفراد أو تيارات محددة يظل ظلما لا يحقق إنصافا ولا يبني مستقبلا
ومن حق أي شعب أن يطالب بالاحترام وأن يرفض الإساءة إلى تاريخه أو أرضه أو رموزه ومن حق المصريين أن يغضبوا حين يتعرض وطنهم أو شعبهم للتجريح كما أن من حق السودانيين أن يرفضوا أي إساءة تمسهم لكن هذا الحق يجب أن يمارس في إطار الاحترام المتبادل لا في إطار التعميم والإهانة الجماعية
إن مصر بتاريخها وحضارتها ومكانتها ليست بحاجة إلى التقليل من أحد كي تثبت قيمتها كما أن قيمة الأمم لا تقاس بقدرتها على السباب وإنما بقدرتها على ضبط النفس والارتقاء بالحوار والدفاع عن الحق بالحجة والخلق الكريم
لقد علمتنا التجارب أن الأصوات الصاخبة على مواقع التواصل لا تمثل الشعوب وأن الذين يقتاتون على الكراهية هم أقلية في كل مكان أما الأغلبية الصامتة من المصريين والسودانيين فهي تدرك أن ما يجمع الشعبين أكبر كثيرا من أي خلاف عابر أو حملة تحريض مؤقتة
ويبقى الواجب على العقلاء في الجانبين أن يرفضوا خطاب الكراهية وأن يميزوا بين نقد السياسات وبين الإساءة إلى الشعوب وأن يتذكروا أن الاحترام لا ينتقص من الكرامة بل يؤكدها وأن العلاقات بين الأمم لا تبنى بالانفعال وإنما تبنى بالحكمة والإنصاف وحسن التقدير
فالأمم الكبيرة لا تنشغل بإثبات عظمتها بالخصومات وإنما تظهر عظمتها في قدرتها على الحفاظ على كرامتها واحترام الآخرين في الوقت نفسه وتلك هي القوة الحقيقية التي تبقى حين تنطفئ ضوضاء الشعارات وتنتهي معارك الكلمات.


.jpg)



