
إذا كانت السنوات السبع الماضية قد شهدت تنفيذ مشاريع تنموية كبرى في موريتانيا، وتعزيز البنى التحتية بتشييد الجسور والطرق، وأعيد فيها تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، فإن بصمتها الأبرز تكمن في التحول الذي جعل البعد الاجتماعي يحتل مركز السياسات العمومية، باعتباره المدخل الحقيقي لبناء الدولة الحديثة.
فمنذ انتخاب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، سنة 2019، برز توجه واضح نحو إعادة الاعتبار للإنسان الموريتاني بوصفه الغاية الأولى لكل إصلاح، وهو ما انعكس في البرامج الحكومية التي لم تعد تنظر إلى التنمية باعتبارها مجرد أرقام للنمو أو منشآت إسمنتية، بل باعتبارها قدرة المواطن على العيش الكريم، والاستفادة من الخدمات الأساسية، والشعور بأن الدولة حاضرة إلى جانبه في مختلف الظروف.
ولعل هذا الاختيار لم يكن سهلا، فقد جاءت السنوات السبع الماضية محملة بأزمات عالمية وإقليمية متلاحقة، من جائحة كورونا إلى الاضطرابات الاقتصادية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، فضلا عن الأوضاع الأمنية المضطربة في منطقة الساحل. ومع ذلك، لم تتراجع الدولة عن التزاماتها الاجتماعية، بل اختارت أن تجعل من حماية الفئات الأكثر هشاشة أولوية وطنية، في رسالة واضحة مفادها أن الأزمات لا ينبغي أن يتحمل المواطن البسيط وحده كلفتها.
ومن هنا، شهدت موريتانيا توسعا غير مسبوق في شبكات الحماية الاجتماعية، سواء عبر برامج التحويلات النقدية، أو دعم الأسر محدودة الدخل، أو توسيع الاستفادة من التأمين الصحي، أو إطلاق مبادرات تستهدف الفئات الهشة في مختلف ولايات الوطن. ولم تعد السياسة الاجتماعية مجرد تدخل ظرفي لمواجهة الأزمات، بل أصبحت توجها استراتيجيا يكرس مفهوم الدولة الراعية، ويعزز قيم التضامن الوطني.
وفي صميم هذه الرؤية، برزت المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “تآزر” باعتبارها إحدى أهم أدوات تنفيذ السياسة الاجتماعية، حيث أسهمت برامجها في الوصول إلى مئات الآلاف من الأسر، عبر الدعم المباشر، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتمويل المشاريع المدرة للدخل، بما عزز حضور الدولة في حياة المواطنين، ورسخ ثقافة العدالة الاجتماعية بوصفها ركنا أساسيا من أركان التنمية.
ولأن بناء الإنسان يبدأ من المدرسة، فقد احتل التعليم مكانة متقدمة ضمن المشروع المجتمعي للرئيس الغزواني، من خلال إطلاق مشروع المدرسة الجمهورية، الذي لا يقتصر على إصلاح المنظومة التعليمية، بل يهدف إلى ترسيخ المساواة وتكافؤ الفرص، وتعزيز الانسجام الوطني، وصناعة أجيال تتشارك القيم نفسها والانتماء ذاته للوطن. وقد رافق هذا المشروع توسع في بناء المؤسسات التعليمية، واكتتاب آلاف المدرسين، وتحسين ظروف العاملين في القطاع، بما يعكس قناعة راسخة بأن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأكثر استدامة.
وفي القطاع الصحي، اتخذت الإصلاحات الاجتماعية بعدا عمليا من خلال توسيع البنية الصحية، وتعزيز التغطية بالتأمين الصحي، وتقريب الخدمات من المواطنين، بما يؤكد أن الحق في العلاج لم يعد امتيازا، وإنما حق تسعى الدولة إلى تعميمه تدريجيا على مختلف فئات المجتمع.
ولم تغفل هذه المقاربة أهمية توفير مقومات الحياة الكريمة، إذ شهدت السنوات الأخيرة توسعا في مشاريع المياه والكهرباء والسكن والبنية الحضرية، إلى جانب إطلاق برامج لتطوير العاصمة نواكشوط والمدن الداخلية، بما يهدف إلى تقليص الفوارق التنموية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية، حتى تصبح الخدمات الأساسية حقا لجميع المواطنين، أينما كانوا.
كما أولت الدولة اهتماما خاصا بالشباب والنساء، عبر برامج للتكوين والتشغيل والتمويل، وتشجيع المبادرات الاقتصادية، ودعم ريادة الأعمال، انطلاقا من قناعة بأن التنمية الاجتماعية لا تكتمل إلا بتمكين مختلف فئات المجتمع من المشاركة في الإنتاج وصناعة المستقبل.
وما يمنح هذه المقاربة الاجتماعية قيمتها الحقيقية أنها لم تكن منفصلة عن بقية الإصلاحات، بل جاءت متزامنة مع الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني، وتعزيز الحكامة، ومواصلة تنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى، وهو ما وفر بيئة أكثر قدرة على استدامة المكتسبات الاجتماعية، وحمايتها من التقلبات الداخلية والخارجية.
لقد أثبتت السنوات السبع الماضية أن بناء الدولة لا يتحقق فقط بتشييد الطرق والمباني، وإنما أيضا ببناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبترسيخ الشعور بأن ثمار التنمية تصل إلى الجميع، وأن الفئات الأكثر احتياجا ليست على هامش السياسات العمومية، بل في صميمها.
لقد عمل فخامة رئيس الجمهورية خلال السنوات السبع الماضية على تعميق الخيار الاجتماعي، وتحويل الموارد الجديدة إلى مدارس أفضل، ومستشفيات أكثر كفاءة، وشبكات مياه وكهرباء أوسع، وفرص عمل أكثر للشباب، حتى يظل الإنسان محور التنمية وغايتها الأولى.
وهكذا، فإن أبرز ما يمكن أن يميز حصيلة سبع سنوات من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليس فقط حجم المشاريع التي أُنجزت، وإنما ترسيخ فلسفة سياسية واجتماعية جديدة، جعلت من العدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الهشة، وتعزيز الكرامة الإنسانية، مرتكزات أساسية لبناء موريتانيا أكثر تماسكا، وأكثر إنصافا، وأكثر قدرة على صناعة مستقبلها بثقة واستقرار.
*- إسماعيل ولد الرباني
المدير الناشر لوكالة الوئام الوطني للأنباء


.jpg)



