
الاعلامي التراد ولد سيدي
في لحظة سياسية دقيقة تتجه فيها البلاد نحو مزيد من التهدئة والتقارب بين مختلف فرقاء المشهد السياسي، وبعد التوافق على فتح حوار سياسي مرتقب خلال الأيام المقبلة، تخرج بين الحين والآخر أصوات تدعو، بصورة ارتجالية ومستفزة، إلى خرق الدستور وفتح الباب أمام مأمورية ثالثة.
هذه الدعوات لا تبدو مجرد آراء سياسية عابرة؛ لأنها تأتي في توقيت حساس، وقد تتحول إلى عنصر تشويش على مناخ سياسي بدأ يتجه نحو الحوار، وعلى مسار دولة اختارت، منذ سنوات، أن تجعل من التهدئة والحوار والاحتكام إلى المؤسسات أدوات لإدارة خلافاتها.
والسؤال الأهم هنا ليس: من يحق له أن يدعو إلى خرق الدستور؟ فحرية الرأي مكفولة، وإنما: من المستفيد من دفع البلاد إلى معركة دستورية وسياسية جديدة في وقت لم تنقضِ فيه بعد سوى فترة محدودة من المأمورية الشرعية للرئيس؟
إن الدعوة إلى تغيير قواعد اللعبة الدستورية قبل انتهاء الاستحقاقات القائمة لا تخدم الرئيس، بل قد تضر به قبل غيره. فالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنى جزءاً مهماً من صورته السياسية على الهدوء، والحكمة، والتدرج، وتجنب الصدام، والدعوة المتكررة إلى الحوار والسكينة. ولذلك فإن محاولة الزج باسمه في نقاش حول خرق الدستور تبدو أقرب إلى التشويش على صورته وخياراته منها إلى خدمته.
بل إن من يرفع شعار خرق الدستور باسم الرئيس، مهما كانت دوافعه، قد يجد نفسه عملياً في موقع من يضع الرئيس أمام حرج سياسي وأخلاقي لا يحتاج إليه، ويحوّل النقاش من تقييم أدائه وبرنامجه وإنجازاته إلى جدل حول البقاء في السلطة وتعديل قواعدها.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض دعاة المأمورية الثالثة اليوم ليسوا غرباء عن المشهد السياسي؛ فقد سبق أن تكررت مثل هذه الدعوات في عهود رؤساء سابقين، وكانت غالباً تنتهي إلى خلق توترات سياسية ومجتمعية، وإلى إرباك المشهد بدل أن تضيف شيئاً إلى حصيلة الحكومات والرؤساء.
الدستور ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه عندما تتغير الظروف، ولا ورقة سياسية تُستخدم بحسب مصلحة الأشخاص. احترامه هو أساس احترام الدولة، وأي حديث عن تعديله يجب أن يمر عبر المؤسسات والآليات الدستورية وبهدوء ومسؤولية، لا عبر حملات ارتجالية وشعارات تُرفع في التجمعات والفضاء الإعلامي.
إن موريتانيا اليوم أحوج ما تكون إلى نقاش سياسي ناضج حول الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والعدالة، ومحاربة الفساد، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحسين الخدمات، وحماية المال العام، وتثبيت الاستقرار؛ لا إلى معركة مبكرة حول مأمورية لم يصل مسارها إلى نهايته أصلاً.
كما أن فتح هذا الملف الآن قد يشوش على برنامج الرئيس نفسه، ويستنزف جزءاً من اهتمام الدولة والنخبة السياسية في سجال دستوري سابق لأوانه، في وقت ما زالت أمام السلطة ملفات وطنية وتنموية كبيرة تحتاج إلى التركيز والهدوء.
ولذلك فإن أفضل خدمة يمكن تقديمها للرئيس ليست دفع الناس إلى المطالبة بما يخالف الدستور، وإنما تركه يعمل وفق المأمورية التي انتخب عليها، ومراقبة حصيلته، ونقد أدائه عندما يكون النقد مستحقاً، وتقييم تجربته في نهايتها عبر المؤسسات والشعب.
الرئيس الذي يحظى باحترام قطاعات واسعة من الشعب لا يحتاج إلى دعاة خرق الدستور؛ بل يحتاج إلى أن يترك له المجال ليواصل برنامجه، ويحافظ على صورته كرئيس هادئ وحكيم، ويجعل من الحوار جسراً بين الموريتانيين لا سبباً جديداً للخلاف.
أما الذين يصرون على تحويل المأمورية الثالثة إلى قضية الساعة، فعليهم أن يدركوا أن خدمة الرئيس لا تكون بإحراجه، وخدمة الدولة لا تكون بإرباك دستورها، وخدمة الديمقراطية لا تكون بالدعوة إلى تجاوز قواعدها.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله أنصار أي رئيس هو أن يدفعوه، باسم الولاء، إلى معركة لا يحتاجها. ومن يصر على خرق الدستور باسم الرئيس، قد يكون أول من يضر بالرئيس، ثم بالدولة، ثم بالمشهد السياسي كله.
وفي هذه المرحلة بالذات، تبدو الرسالة الأكثر حكمة واضحة: دعوا الرئيس يعمل، ودعوا الدستور يحكم، ودعوا الحوار يأخذ مجراه، وعندما يحين موعد الاستحقاق فليقل الشعب كلمته داخل المؤسسات، بعيداً عن الضجيج والارتجال.
فموريتانيا لا تحتاج اليوم إلى دعاة مأمورية ثالثة، بقدر ما تحتاج إلى دعاة دولة، ودعاة دستور، ودعاة تهدئة وحوار.


.jpg)



