احمد شعبان محمد يكتب : قراءة متعمقة في مقال المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي «الانقلاب المبكر على القرآن وكيف ضاعت الأمة منذ اللحظة الأولى»

خميس, 06/25/2026 - 13:47

يمثل هذا المقال صرخة فكرية جريئة تعيد فتح أحد أخطر الأسئلة المسكوت عنها في تاريخ المسلمين: هل ضاعت الأمة بسبب ضعف النص المؤسس، أم بسبب الانقلاب المبكر على مرجعيته؟

والإجابة التي يطرحها المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي واضحة وحاسمة: القرآن لم يغب من المصاحف، لكنه غاب من الحكم والتشريع والسياسة وإدارة العلاقات بين الناس، وهنا بدأت الكارثة.

ينطلق المقال من لحظة فارقة في التاريخ الإسلامي، هي لحظة غياب الرسول عليه السلام عن الدنيا، حيث انتقل المسلمون من مرحلة الوحي المباشر إلى مرحلة الاختبار العملي. وكان المفترض أن يكون القرآن هو الحاكم والميزان والمرجع، فإذا بالأمة تدخل سريعًا في صراعات سياسية ودموية كشفت أن الالتزام بالقرآن لم يتحول إلى نظام حكم راسخ ولا إلى ثقافة إدارة عادلة.

وأخطر ما يكشفه المقال أن الأزمة لم تكن في وقوع الخلاف، فالاختلاف سنة بشرية، وإنما في غياب المرجعية القرآنية الحاكمة عند إدارة هذا الخلاف. فالقرآن يأمر بالعدل والشورى وحرمة الدماء ووحدة الصف، لكن الواقع التاريخي سار في اتجاه آخر، حيث تحولت السلطة إلى محور صراع، ثم جرى لاحقًا تجميل هذا التاريخ وتسميته بالرشد، رغم ما شهده من اغتيالات وحروب داخلية وانقسامات كبرى.

ومن هنا تأتي جرأة المقال في تفكيك المصطلحات الموروثة. فهو لا يقبل أن تُمنح صفة الرشد لمرحلة امتلأت بسفك الدماء والصراع على الحكم، لأن الرشد في ميزان القرآن لا يقاس بأسماء الأشخاص ولا بقداسة الأزمنة، وإنما يقاس بمدى الالتزام بالعدل، وحفظ الحقوق، وحرمة الدم، ومنع الاستبداد، ورد الأمر إلى كتاب الله.

ويتوقف المقال عند واقعة قتال الممتنعين عن الزكاة بوصفها علامة خطيرة على تحول الدين من علاقة حرة بين الإنسان وربه إلى سلطة قهر. فالعبادات في أصلها تكليف إيماني وحسابها عند الله، أما تحويلها إلى سبب للقتال فمعناه فتح الباب أمام استخدام الدين كأداة سياسية، وهي نقطة يرى الكاتب أنها ساهمت في تأسيس مسار طويل من الخلط بين الإيمان والطاعة للسلطة.

ثم ينتقل المقال إلى النتيجة الكبرى: لقد تحول القرآن في حياة المسلمين من كتاب هداية وتشريع وبناء مجتمع إلى كتاب تلاوة وبركة وطقوس، بينما غابت مقاصده العملية في العدل والرحمة والحرية والأمن والسلام. وهنا يضع الكاتب يده على جوهر المأساة؛ فالمشكلة ليست أن المسلمين لا يقرؤون القرآن، بل أنهم لا يحتكمون إليه في صناعة واقعهم.

ومن أقوى ما في المقال أنه يربط بين الانحراف الأول وبين النتائج التاريخية اللاحقة: الفتوحات التي خرجت عن روح القرآن، الصراعات بين الدول، الملك العضوض، التمزق المذهبي، ثم الواقع المعاصر بما فيه من ضعف وفرقة وتبعية. وكأن المقال يقول إن ما نعيشه اليوم ليس حادثًا مفاجئًا، بل ثمرة مسار طويل بدأ عندما تراجع القرآن من موقع القيادة إلى موقع التبرك.

والسؤال المركزي الذي يطرحه المقال ليس سؤالًا تاريخيًا فحسب، بل سؤال حاضر ومستقبل: هل نملك الشجاعة للعودة إلى القرآن باعتباره المرجع الحاكم، لا مجرد نص مقدس يُتلى في المناسبات؟

إن دعوة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي هنا ليست دعوة لهدم التاريخ، بل لتحرير العقل المسلم من تقديس الأخطاء التاريخية. فالأمم لا تنهض بتجميل مآسيها، وإنما تنهض حين تملك الجرأة على مراجعة مسارها، وتمييز الدين الإلهي عن الممارسة البشرية، والقرآن عن الروايات، والشرعة الإلهية عن اجتهادات السياسة والسلطة.

ويختتم المقال برسالة شديدة الوضوح: القرآن ما زال محفوظًا بين أيدينا، لكن العبرة ليست بحفظ النص في المصحف، بل بإعادته إلى موقع القيادة في الحياة. فإما أن يكون القرآن حاكمًا ومرجعًا ومنهاجًا، وإما أن تظل الأمة تدور في الدائرة نفسها: خلاف، وفرقة، واستبداد، وضياع، ثم سؤال متكرر: لماذا تأخرنا؟

إنها قراءة لا تريد إدانة الماضي من أجل الماضي، بل تريد إنقاذ الحاضر والمستقبل من استمرار الخلل نفسه. فالعودة إلى القرآن ليست شعارًا دينيًا، بل مشروع إنقاذ حضاري، يبدأ من تحرير المرجعية، وتصحيح الوعي، وإعادة بناء الإنسان والدولة والمجتمع على أساس العدل والرحمة والسلام.